الثلاثاء، 7 مايو، 2013

ديكاميرون


لم يكن قراراً تعسفياً ، ولا على سبيل (القمصة)، لقد تعبت بالفعل من الطفو. هل تعرفون ذلك المنطق الذى يجعل كل انسان على حدة رائعاً ثم يكون فى اسخف حالاته فى المجموعات ؟ لقد اكتشف صديقى تلك الآفة فى و من يومها اصبحت لا انكرها و اتعامل مع نفسى على اساسها . ربما انا بالفعل عاجزة عن التصرف فى المجموعات . و لكننى ببعض التفكير و الملاحظة اعرف جيداً ان المسألة خرجت عن السيطرة . اننى اعيش داخل (ديكاميرون) .
هل تعرفون ما الديكاميرون ؟ تلك القصة التى تحكى عن مجموعة من الرجال و النساء هربوا من الطاعون فى ملجأ ما ، و اخذوا يسلون وقتهم بأن يحكى كل منهم قصة ما ، قد تكون قصة رومانسية او قصة رعب او قصة اباحية . ربما نعيش كلنا فى ديكاميرون بشكل ما لكننى اشعر ان حياتى بالذات تنطبق الى حد كبير و الديكاميرون . انا هاربة  من الطاعون فى جميع المعسكرات .
1.الفضيلة.
 انا قبطية ارثذوكسية لدى مجتمع كامل منغلق بشكل ما على نفسه ، لا يرفض الاخرين لكنه لا يقبلهم ، له انشطته المنفصلة على العالم و التى لها جمالها ايضاً . شئ اعرفه جيداً عن تلك الدائرة ان اكثرهم شديدى العفوية لا اخاف من مبادلتهم الامان النفسى و الجسدى .اننا نقضى وقتاً ممتعاً و نمازح بعضنا و نمرح كالأخوة دون اى مخاوف.لكنهم على الصعيد الاخر يتوقعون اشياء  ،يتوقعون ان نذهب لاجتماع الانبا فلان او الاب علان وان ننصت لعظات البابا باهتمام،يتوقعون اننى ولابد بشكل حتمى ان اشاركهم معتقداتهم ، وانه من واجبهم استخدام اسلوب اشبه باساليب مدارس الاحد الساذجة معى ، كأننى كنت هندوسية طيلة الاعوام السابقة و اتعرف على المسيحية من جديد .وهى اشياء تشعرنى بالغربة و البؤس . فأنا اترك الناس فى حالها . لا ارغم احد على شئ . اذا ارادت فلانة الذهاب للقداس وهى معى اشجعها ان تلتزم بموعدها . و ان كانت صائمة لا افطرها . و ان كانت فاطرة لا الومها .لماذا لا اترك و شأنى ؟ اصحاب المعتقدات لا يتركون احداً و شأنه لأنهم (يخافون على) حتى ان كانوا لا يهتمون ان داستنى قاطرة او اغتصبنى فريق الترسانة نفر نفر بالاحتياطى ، لا يهتمون اذا ما كنت حزينة او سعيدة ولا يعرفون اسمى الثلاثى ، اى خوف لعين هذا ؟ انهم يدافعون عن انفسهم بالأساس وانا اعرف هذه الالعاب النفسية و تزيد نقمتى و انعزالى اكثر.
**
2.الرذيلة

 انتمى لدائرة اخرى، منعزلة ايضاً . لا ترفض الاخرين لكنها لا تقبلهم ايضاً . انتقائية بشدة . طبيعة الصداقة انها انتقائية و ان البشر المتوافقون هم الذين يجتمعون وانا اتقبل هذا . و اتقبل عزلتنا كثيراً . اننى اتذكر يوم ذهب اربعتنا ، الى المركز الثقافى الروسى ، و انصتنا للموسيقا التى عزفتها صغيرات كالفراشات ،كنا نضحك فى شارع فؤاد المظلم كالأطفال و نطارد بعضنا و نبحث عن ماكينة صرف آلى، كان هذا يوماً ساحراً ، لا اعرف متى تبدلت الأمور و تسربت الاباحية الى تلك المجموعة الآمنة ، اصبحت محاطة بالاباحية من كل اتجاه ، ربما قص حبيبى قصة او اثنتين من تجاربه السابقة  تحت الحاح تضيف توتراً جنسياً على الجلسة ، ربما تبادل الناس السجائر و نفثوا الدخان بشكل اقرب لرخص نادية الجندى و عشاقها فى الباطنية ، ربما لقحنا كلاماً ، ربما فعلنا كل شئ كى نضفى مسحة جنسية صفيقة على القعدة . انا لست محافظة و اجد الجنس حق ادمى يحرمنا منه المجتمع لأنه مجنون بمنتهى البساطة ، المجانين ينتحرون بالحرمان ، و المجتمع ينتحر بالحرمان و ينفجر بالحرمان و يستخدم نفس الاساليب العتيقة. لكننى اكره الاباحية جداً.لا احب ان اشعر ان المسألة مشاع ، وان جسدى مستباح ، وان افكارى مستباحة ، وان حبيبى مستباح ، وان كل شئ ممكن وان جميع الحوائط التى تبنيها الحضارة بين الناس تنهار .  .نحن اذا اردنا اطلاق كل هذا فسوف ندفع احد الحوائط ليسقط . العلاقات الثلاثية ، الرباعية ، الخماسية ، الجنس لغرض الجنس ، الجنس بدون مشاعر ، احالة جلسات الاصدقاء الى جلسة استمناء جماعى  ليست بالضبط فكرتى عن الوقت الممتع مع الاصدقاء . اتغلب على مرارتى بضمهم الى حضنى لأننى اشعر بالوحدة و البؤس. اننى انعزل داخل نفسى . دور (على ابن الناس الكويسين) اصبح يسقمنى جداً . انا اكره ان يمنحنى احد دور فى مسرحيته . انهض مترنحة خارج الغرفة لاعنة نفسى و كل شئ و راغبة فى  ان يربت على و ان يخبرنى ان شيئاً من كل هذا القبح لم يحدث واننى لم ار فى عينيه تلك النظرة الشهوانية  الغير ادمية التى اكرهها والتى تسلبه نفسه و تسلبنى اياه .كأنه ليس هو .
**
3.العائلة
و لأنهم اصبحوا لا يتوقعون منى سوى الحفاظ على ماء وجههم و انه ابوس ايدك لا تلوثى شرف العائلة ، اصبحت افعل كل ما يريحهم  و اقول كل ما يريحهم . تقتلنى نظرات عدم الفهم و الرعب و الارتياب فى عيونهم . يقتلنى الاغتراب. يوم اخذنى ابى معه فى فسحة كان يريد مفاتحتى فى مسألة العرسان و كدت ان انفجر فى البكاء . انه حتى يرفضنى انا ، و اختزلنى فى شئ واحد وهو تسليم علبة الصلصة مغلقة الى المستهلك و ضرب طلقتين فى الهواء احتفالاً.يتحدث عن العزومة الكبيرة و اعمامى الذين سوف يأتون للاحتفال ثم ينظر الى فى خيبة امل .
فى ذلك اليوم العائلى كنت افتقده بشدة و و افتقد نظراته الفاهمة اللطيفة .احاول التغلب على ذلك الشعور بجرعات مركزة من زجاجة براندى منسية فى الثلاجة حتى انسطلت و ضحكت بصوت عال و قلبت صور العائلة فى دولاب جدتى و دمعت عينى حين رأيت كروت عزاء جدى الحبيب، و حين رأيت صور جدتى منيرة (ماما نيما) كما كنت ادعوها ، دمعت عينى الى حد شبه النهنهة حين رأيت كتاب الانجليزية التى كانت تقرأ لى منه و تخبرنى اننى الأولى و الاحب الى قلبها، كنت صغيرة الحجم جداً كل هذا الاثاث كبير على ، هذا الفراش متسع جداً على ، هذه الادراج عالية جداً على ، هذا الدولاب عملاق جداً على ، بدلوا كل شئ فى الشقة ، شقلبوا كل الاثاث ، اخرجوا فراش جدتى من الغرفة و ابقوا على الفراش الاخر ،صورة الملاك ميخائيل يهاجم الشيطان بسيفه ازالوها من فوق الفراش ولا اعرف اين ذهبت ، صورة بابا يسوع الكبيرة التى تشبه الموناليزا  فى الصالة لم اجدها ،كنت اصلى امامها كل يوم مدغمسة العينين فى الصباح الباكر مع جدتى لأنها لا تريد ان تصلى وحدها ، لأنه ما اجتمع باسمى اثنين معاً الا و اكون فى وسطهم، وانا لا اريد الا يحضر الله لأننى اريد ان انام. كنت افعل هذا من اجلها ، انا اتذكر ، لم احب الصلاة بل احببتها هى .حتى وطنى بهدلوه و اعاثوا فيه فساداً و فشخاً .
**
4.الرومانسية الفشيخة و ال****** التى ملأت النملية .
اريد ان اخذه بعيداً . بعيداً . الى بقعة لا يجدنا احد فيها . ولو لساعة واحدة .ولكننى لن استطيع ان اخذه رغم ارادته الى اى مساحة من الحياة . اذن سوف اتركه براحته و ان اتعود على غياب  ذلك السلام النفسى الكامل من اجل سلام نفسى مختتن ممتعض ، لكنه مازال سلاماً و استقلالاً.عندما جلست وحدى فى المقهى شعرت بالسلام ، و عندما جاء شعرت بسلام اكبر و بدفء اكبر انسانى اننى كنت فى سلام اولاً.
**
؟ اين ينبغى ان اقف ؟
اين الأرض؟

هناك 6 تعليقات:

  1. شكراً علي مشاركتنا الفضفضه والصراحه والأحاسيس الموجوده داخلنا ولكننا نخاف ليس من إعلانها مثلك ولكن نخاف حتي من الإعتراف بها بيننا وبين أنفسنا
    أنتي مش لوحدك في متاهة البحث عن الحقيقة والهدف من الحياة
    نبرة اليأس في كلامك محتاجه شخص متفائل وأنا أبعد ما يكون عن التفاؤل
    http://logic-emile.blogspot.com/2011/04/blog-post_25.html

    ردحذف
  2. النص ده رهيب جداً

    ردحذف
  3. احنا كتير اوى يا عبد ربه :D :D

    ردحذف
  4. ماجنيفيكيه يا آنسة

    ردحذف
  5. وانتى ليكى وحشة يا انسة :)))

    ردحذف