الاثنين، 24 ديسمبر، 2012

فإنها حين تُمطر، تفعل بلا استئذان.


منتصف ديسمبر 2012
عندما يكتئب نبى البهججة فان شيئاً ليس على ما يرام : ربما يُفسر هذا السحب و المطر و الزعابيب التى اجتاحت المدينة . امطرت على رأسيهما و هما يرتكبان خطيئة الصرمحة ، فاختبئا فى ممر يمسحان نظاراتهما بعد ان اعمتهما القطرات : اللعنة على قُصر النظر. تناوله نظارتها لأنها لا تملك صبراً لمسحها فيقبل ذلك ببساطة .
انه فى الواقع يعاملها برفق منذ بداية اليوم : منذ اعترافها بسر شخصى الذى جعلها ترتجف برداً و رعباً بلا سبب  و تخبط اقلامها الملونة على منضدة المقهى ، كانت هشة جداً و كان يعرف بهشاشتها، و كان ما فعله هو ان انتزع الاقلام من يدها و انساب صوته المُطمئن بشكل غريب: اهدى ! مفيش حاجة .
خرجا من الممر الى الشارع الرحب يدوران بلا هدف فى وسط البلد الجميل.
قُالت فى عصبية : الصوفية شئ راقى و ماله. لكنها ارقى درجات الوهم . 
قال: مُنذ رأيت اتفاق على اتعاب رقصة مولوية و قد اصبح هذا فناً فقط بالنسبة الى.
قالت: ولكنها مازالت وهماً. تقلد ما تسمعه (ساخرة) : لقد رأيته..لقد احسست به.. لقد لمسته (تأتيها خواطر مضحكة عن الرنين المُريب الشبق للكلمات و تربط ذلك بالاتجاه الشبقى الذى سمعت عنه للبعض المتصوفة-بالفعل ان تلك الرومانسية المفرطة  و الاتحاد بكينونة الاله تثير اعصابها)
قال مبتسماً محاولاً قمع سخريته: لأنك قابلت مُدعين فقط.
قالت: رُبما.و لكنك بالتأكيد لا تصدق.
قال: لا اصدق الميتافيزيقا بالتأكيد و لكن،غاندى مثلاً ، كان رجلاً متصوفاً بالفعل. و غير مُدع.
لم تقُل شيئاً: لقد كان طرحاً جديداً و زاوية جديدة لم ترها-كعادة نبى البهججة يغمرها بعبقريته كما يغمرها بلطفه التلقائى و ابتساماته.
بالفعل : ان صديقها نبى البهججة قد اضاف بهجة لا تقاس الى حياتها رغم اكتئابه الحالى ، و حتى ان كان بحثه عن حياة جديدة بالكامل هو السبب فى تلك الصداقة : فليكن . ربما تموت غداً فلن تجد وقتاً لتلوم نفسها على اضاعة وقت فى تحليل مُسببات البهجة التى دخلت حياتها.

*****
بداية ديسمبر 2012
فى مقعد بجوار السائق : و بعدما فسد مزاجها عندما فشلت فى الوقوف امام الكاميرا للمرة المليون فى مناسبة مبهجة كما هو مُفترض : امطرت. 
سقطت القطرات على الزجاج فاغلق الجميع النوافذ. اصدقاء فى سيارة دافئة تخرج من جوف المدينة الى الكورنيش و من الحارة البعيدة عن البحر الى الحارة الاقرب له.
تتسرب البهجة مع كل زفير حار يملأ المكان دفئاً على دفئه : نحتاج وقتاً ، و حلوى ، و قهوة. يا للخسارة .
يقود صديقها الذى يتسرب جماله الداخلى عبر شقوق وجهه ذو التعبير اللامبالى  و مزاحه الخشن و قيادته المتهورة التى  يمتنع عنها تلك المرة بالذات من اجلها . يضغط على ازرار كاسيت السيارة فتنبعث اصوات مرنمين مسيحيين شديدة الاملال بنغمة واحدة فتقول له فى تعب ساخر : غير ابوس ايدك.
يخرج صوت مغنى بأغنية راى غريبة بها مقطع ساحر لكنه مضحك ، سحر الاغنية يغمر السيارة بالنشوة و الضحكات، تتنفس بعمق خلف حزام الأمان و تشعر برغبة فى البقاء الى الأبد.البحر يستقبل قطرات المطر التى خرجت من رحمه و عادت اليه ، الطريق زلق لامع ، غير مُزدحم. الموسيقا المنبعثة من الراديو و قطرات المطر و السيارة.
تنزل منتزعة نفسها بصعوبة من هذه الحميمية : تستكمل طريقها مشياً فى الظلام الذى بدأ يحل ، و جاكت المطر الأحمر الزلق يغلفها. و صوت "جون ماير" و جيتاره الالكترونى يثيران فيها كل انواع الوحشة اللذيذة.
*****
منتصف نوفمبر 2012
الشتاء يليق بالقديسة الفاسقة: فهى تبدو كلعبة دافئة كثيرة الفراء شديدة الجمال ، تبتسم فيضئ وجهها الحلو و تلمع اسنانها من بين شفتيها المكتنزتين الجميلتين، تعبس فتزم ذات الشفتين و تخفى خديها فى وشاحها الصوفى.الشتاء يليق بها ،و بكنزاتها الصوفية ، ووشاحها الاحمر و معطفها الرمادى.
هما تحت الشتاء دائماً: يوماً تمطر على رأسيهما فتجريان كالحمقى ضاحكتان، تُزيد الشتوية فى عُنفها فتختبئان تحت (تندة) ثم تعودان للبيت حيث تتناولان غداء يعدانه سوياً، او فى مُظاهرة طلابية حاشدة ضد العسكر، او فى منزل القديسة الخالى البوهيمى بشكل مُضحك حيث تذوق الذ قهوة و تلتهم بشهية كل شئ تخبزه هى، فالعجين يحبها على ما يبدو و ينصاع لأصابعها و يبدل مذاقه على مزاجها.
دائماً كانت حيث يوجد الشتاء .وذلك اليوم بالذات كان ثقيلاً من بدايته : كانتا تنتظران نتيجة العام المُنصرم و مزاجهما شديد السوء. تلك السنة الدراسية الغير آدمية كانت كفيلة بان صنعت جُباً بينهما يقتلها ظنها انه غير قابل للإصلاح . جالستان على اريكة تنتظران اى شئ ، استمعتا لبعض الموسيقا. ثم فقرة ليسرى فودة . ثم خبر وفاة مُزعج جعل من الضرورى ان تذهبان للعزاء. 
ان تلك الاشياء تحدُث دون تفكير : لقد اجلست نفسها على حجر صديقتها و اراحت رأسها وسط شعرها الكثيف الناعم. توصلت فى لحظتها الى نظرية عبقرية : سقوط الحواجز الفيزيائية يُقرب البشر عاطفياً بما لا يقاس. استرخت، غمرها شعور ان كل شئ سوف يكون على ما يرام.شعرت حنيناً يغمر صديقتها فلم تتكلم. انتظرتا طويلاً، همهمتا بان كلاهما تتوقع ان ترسب-غير مازحة . من يعرف تلك الجامعة، و ذلك النظام التعليمى المتوحش ، و هؤلاء الاساتذة الساديون يعرف جيداً انهما لم تكونا تمزحان على الاطلاق.
و عندما حدث  و وجدت كلاهما انهما عبرتا بسلام : كانت لحظة انتصار مشترك و شهادة على ميلاد شئ ما . لقد ابتهجت بالحضن الحنون اكثر من النتيجة : و كأنها تقول : لقد نجحت !! ثم تكمل داخل رأسها : فى استعادتها ولو للحظات .
تظاهرات عنيفة عند القصر الجمهورى بالقاهرة: و الغد-الجمعة- من المتوقع ان يكون مأساوياً.تشرب قهوة ساخنة بسرعة قبل الرحيل ،ثم بعد ذلك يصدمها الماء الذى يغمر الطرقات و توتر غريب فى الشارع  و بعض السحن المريبة تتناثر ، و بعضهم يحمل اسلحة بيضاء.اضطربت، عادت خطوتين الى الوراء متوترة، فقط لتجدها تخرج من الشارع مرتدية احد كنزاتها اللطيفة ، تتنهد فى اطمئنان غمرها رغم وحدتهما: انها هنا. فقط.
*****
منتصف نوفمبر 2012
قالت له : لقد كنت اعتقد فى طفولتى ان هذا هو الله من خلف السحاب. ابتسم قائلاً: مازلت اعتقد ذات الشئ.
تأملت الشمس القابعة وسط السحاب و البهاء يطل من بين فتحات السحب. نظرت إليه ملياً و تذكرت، كما تتذكر دائماً كلماته عن الحب الذى يستشعره الآن.
لقد كانت شاردة حتى اشار الى الله القابع خلف السحب ، الى قلب الحقيقة، حيث يكون الحب الذى بلا ثمن. لقد فقدت ايمانها بالله ، لكنها اذا آمنت به فسوف تؤمن خلال محبة بلا ثمن كالتى تشعر بها.فإن محبته كانت منقذاً و معيناً و مخلصاً. كم هى جميلة الطيور فى قلب السماء ! اى محبة لعينة تلك التى تجعل الانسان طاغية ؟ واى دعارة تلك فى انتظار مقابل ما من المحبة ؟
لا تعرف , لقد كانت تحبه يوماً ما و تريد ان تجعله نسراً مستأنساً , الآن تريده نسراً حراً، ان يحطم كل القيود، و من الغريب ان يكون هذا مقترناً بإنها تحبه أكثر بمراحل و بصورة اكثر زهداً: لا تريد شيئاً منه.
*****
نهاية أكتوبر 2012
باغتتها الفكرة الغاضبة :ما الذى تحاول أن تفعله ؟ تميتنى كى تحيا ؟ لكم أخبرونى عن إماتتك للنفس كى تحتلها ،تفريغك للشخص و إمتصاصك الحياة و التمرد منه ثم إحلال ذاتك فيه !

تقول : انى راحلة.ان كنت هناك فابحث عنى.وان لم تكن فدعنى و شأنى فأننى قد سئمت الوهم و اجترعته حتى امرضنى.
و من يومها لم تعد، ولم يواتيها ذات الغضب: لقد اصبحت اكثر استقراراً و اتساقاً مع كل شئ.اما وقتها ، فقد سقطت قطرة ماء على خدها فجأة ، رفعت عينيها الى السماء لتجد ان الامطار الأولى للشتاء تنهمر على استحياء. شخص اخر كان سيعتقد انها دموع السماء التى تودعه، اما هى فتعرف انها فى هذا الكون الفسيح اقل من ان يتبدل حال الغلاف الجوى من اجلها.
تباً للعلم. انه حقيقى بشكل مرير.

هناك تعليقان (2):

  1. توارد خواطر أو صدفه المهم أني لسه حاطط التدوينه دي بعدك بساعتين ولما قريت تدوينتك حسيت أن الي كتبيته أنا بأسلوب علمي أنتي كاتباه بأسلوب أدبي
    http://logic-emile.blogspot.com/2012/12/1.html

    ردحذف
  2. انا اتأخرت فى الرد انا اسفة... هقراها على رواقة مع كوباية قهوة كبيرة :D

    ردحذف