السبت، 15 ديسمبر، 2012

استطراد ذاتى-تانى!


جزء اخر من الكتابة الذاتية: على من لا يحب  الذاتية الا يمضى قدماً فى القراءة، استطراد لما سبق ان نشرته: "خدر".
*****
بعدما قررت  ان تنهض من الفراش و تنثر الأوراق و الكتب و الأقلام التى تنام فوقها-عادة- وتتأمل فى المرآة وجهها الذى استيقظ لتوه و خصلة من شعرها الذى بعثرته المخدة تسقط على جبينها فترفعها كي تغسل وجهها.
مازال هناك وقت لكنها لن تتحرك من مكانها: ليس اليوم.
هناك جميع الاغراءات السماوية و الاشياء المحلقة فى انعكاس عينيه،  كى تحركها من مكانها، لكنها مرت بذلك الطور المستفز المبتذل ألف مرة حتى أصبحت تكرهه:و أصبحت تعد له العدة كأى شئ كريه متكرر ، كالعادة الشهرية ، كالاختبارات الدورية السخيفة،كالكلمات الوقحة التى تقال ولابد ان تقال حين تمر امام اى ذكر،ليس لفتنتها بالطبع، بل لأنها انثى-فقط.
انها فى الواقع تحب تلك الحقبة من اى رجل لأنها ملهبة للخيال و المشاعر،و الفيلم ينتهى عندها بعد قبلة البطلين- وهو ما علمته السينما لها بجدارة، و من الواضح ان الطفلة التى قضت حياتها بلا صداقة واحدة فى الطفولة لم تجد مجتمعاً بشرياً حولها سوى الأفلام ، فقد سقطت فى هوس السينما و سيطر التفكير السينمائى على تفكيرها مثل "توتو" الصغير فى فيلم "سينما باراديسو الجديدة"، الموسيقا التى تستمع اليها لابد وان تكون خلفية لمشهد فى دماغها ، من ماضيها او حاضرها او مستقبلها الافتراضى، مصورة بكاميرات عالية الجودة، مقترنة بسلسلة من الجمل العميقة التى لا تبدو بهذا العمق عندما تُقال، كذا حماقات العقل الباطن و نظرته العلوية لنفسه: تتحطم على حائط الواقع.
هناك بلايين الأسباب كى ترتدى ثيابها و تنزل ، لكنها تعد قهوة سوداء رديئة و  تشربها كلها دون طعام فتتصاعد آلام معدتها الحساسة.تجلس فى فراش والديها تشاهد التليفزيون و باب الغرفة مغلق.و مقبض الباب يبدو قريباً جداً و سهلاً جداً: لماذا لا تجذب المقبض؟ يأتيها النداء الناعم نعومة البطانية التى تدثرها فتأبى.
انحطاط: كذا تقول لنفسها. انحطاط فكرى و اخلاقى و سوقية و مراهقة متأخرة-بالفعل، فلا تتذكر لنفسها مراهقة، ولا طفولة ، انها تشعر انها سُرقت بشكل ما ، و الأدهى ان التنميط المُعتاد لسرقة الطفولة- بحوادث مفزعة او مسئوليات مبكرة- يجعلها تخجل دائماً من مواجهة نفسها بتلك الحقيقة، لقد سُرقت طفولتها و مراهقتها ببطء و نزفتها خلال قناة وريدية محكمة،انها تتذكر انها لم تقل" لا" ابداً فى طفولتها: ولا مرة مدفوعة بخوف رهيب،ولم تحب اى شخص و عندما كان يحدث كانت تُسقط مشاعرها جميعها على صديقة لها و تتمنى ان يحبها الفتى وان لم يحدث تموت كمداً ! اى شئ تنتظر من نفسها بهذا الماضى الماسخ المُجرد؟ لقد اصبحت تضيف نكهات عنيفة على كيانها الماسخ المُجرد وليد ذلك الماضى ، كى تشعر انها مثل بقية البشر.
فى الواقع ان هناك غرفة بيضاء باردة كبيرة فى عمقها تعيش فيها طفلة لا تكترث و تشاهد افلاماً و تأكل الكثير من السكريات و تضع سماعات و ترقص كما يحلو لها فى الغرفة المحكمة التى بلا ابواب ولا نوافذ حتى تستنفذ كل شئ و تنام.هى تفعل ذلك بالفعل عندما تخلو الى نفسها: تغلق جميع النوافذ بلا استثناء، تحل خصلات شعرها و تجرب فستاناً من فساتينها دون احتياطات الانثى الشرقية من ثياب لصيقة سخيفة تكبل الفستان و تخفى فتنته: تبتسم فى وجل لانوثتها التى تطل من فتحات الفساتين .  تطهو بعناية طبقاً مميزاً لها وحدها، لابد ان يكون ساخناً  جميل الشكل زاهياً لذيذاً مليئاً بالنكهات العميقة الممتزجة : كمزاجها الجنسى الجشع. تأكله عن اخره ثم تغسل الطبق و آنية الطهى بسرعة قلقة مُذنبة كأنها ارتكبت جريمة ،و تُعيد كل شئ الى مكانه.
مثل كاسانوفا غاية الحياة عندها ان تموت عشقاً حتى ينتهى اللهب -و اللعب- فترحل، غاية الحياة ان تموت لذة وعندما تشبع تشمئز، انها تأكل بشهية لكنها حين تشبع تقرف من رائحة الطعام و منظره مهما كانت تحبه،وانها تحب الرجال بحرارة ساحقة لكنها حين تشبع حباً تفر ،و حين تنطفئ جذوة الشوق و الغيرة القاتلة- و بخاصة الغيرة !! توابل اللعبة  الحريفة التى ان لم تجدها "اوجدتها"- و الخيالات الغامضة يضاء النور و تظهر التترات و تجمع حاجياتها و تخرج الى الليل البارد- الى مرآب سينما "أمير" السكندرية الذى كانت تحبه جداً فى طفولتها، تحبه لأنه السبب فى حب الفيلم من الأساس، لأن الفيلم ينتهى و هذا موطن جاذبيته و شجنه و الحنين الى دار العرض الدافئة الحميمية، هذا المرآب الكئيب الذى يطُل على المسرح الرومانى يدفعها لبكاء لذيذ و شوق حقيقى للفيلم القادم.اى نُضج و انسانية فى الاستسلام لتلك الطفولة ؟
 ولأنها تفكر كثيراً امام الشاشة فلا تتابع شيئاً، فهى لن تتحرك، لن تترك الفراش و لن تستسلم للهمس الشهوانى الناعم الذى يجذبها لرائحته و صوته و ابتسامته لأنها جميعاً ليست الا قطعاً من لعبة احجية عبثية فى يدها الطفلة،اذا انتهت الاحجية انتهى كل شئ.

هناك 4 تعليقات:

  1. ماله الاستطراد الذاتي!
    عظيم

    ردحذف
  2. رفعتى معنوياتى :D كنت متخيلة دا هايبقى مصدر للسخرية جداً :D

    ردحذف
  3. مصدر للسخرية؟
    بتهزرى طبعاً كتاباتك رائعة وعميقة جداً لدرجة انى بسئل نفسى ليه مبنسمعش الكلام ده منكم وش كده(:
    هو انتوا مش هارشين أن كل راجل جواه جلنف بيظهر لما تصدرو فى بوزنا الوش الخشب (:

    ردحذف
  4. الوش الخشب ده كان صديق طفولتى :D بس حالياً بحاول اتخلص منه لأن كمية الاكسجين اللى بيدخله كفيلة تجيبلى ضمور فى المخ :D اتخنقت !
    لكن برضه افتكر ان الوش الخشب تراث و تقاليد..و خوف..و حط مليون خط تحت خوف.. و الخوف مُبرر مش وليد ضلالات او حاجة.. و الراجل اللى نيته كويسة ده عملة نادرة.

    ردحذف