السبت، 28 أبريل، 2012

إلى قنصلية الفردوس المحتلة


تمد يدها.

فى لحظة من اللاشعور،فى لهفة و أنانية العاشق اللاتينى المبالغ،تمد يدها.

من أجل لحظات شحيحة من النشوة المرة البعيدة،تقطعها لفحات من هواء،أو أصوات،أو أحاديث فرعية،لا تهتم.إنها تجتاز بوابة أكثر الأماكن حميمية على وجه الأرض و أن تثبت أقدامها و أن تلتقط أنفاسها و تبتسم.

تمد يدها كما كانت تمدها نحو الشمس فى طفولتها،تضفر خيوطها الذهبية و تعقصها.

لماذا،فى كل مرة،توجد تلك اليد التى تتملك الأمور بذلك الرفق السام القاتل.

لماذا تتحرك بكل تلك التلقائية المستفزة التى تعكس سيطرة.تعكس ثقة.تعكس شعوراً بإمتلاك الحق؟ ومن أين لليد الجرأة أن تتم عملها ببساطة ثم تجذب بقية الجسد؟

فى طفولتها كانت يد أنثوية بضة ذات أظافر معتنى بها تتولى الزمام.كانت خارج حدود هذا المكان تحبها كثيراً،أما فى داخله فهى لا تعرف سوى إنها تحترق بالغيرة.تموت.تقف اليد كأنها الملاك الحارس لجنة عدن بسيف من نار فلا تتمكن يدها الصغيرة المرتجفة من العبور من ثم تأخذ بقية جسدها إلى حيث تتمنى،إلا فى أقات استثنائية تكون فيها فوق السحاب.تطير و ترفص بقدميها الصغيرتين فى المساحة التى صممت للكبار،بينما الملك الوسيم يضعها على العرش الكبير المتسع الذى تغرق فيه و يأخذها ألى حديقة الحيوان،ويشترى لها دمية ملونة و شيكولاتة،وتكون أميرته بضع ساعات قبل أن تعود الأمور إلى ما كانت وسوف تظل عليه.

اما فى طفولة قلبها كانت تتأمل قبضته الدافئة المتملكة و ترقب،ترى من القادم.من سيجذب المقبض.من الذى سيمد يده فى امتلاك تلقائى لقطعتها من النعيم،من شخص آخر،هو إما متحد ساخر،أو منهك،أو يكبرها سناً أو مقاماً،أو حبيباً أكثر،أو قريباً أكثر. تسكن فى مكانها فى انتظار معجزة تمكنها.هذا فى أيام طفولة قلبها،قبل أن يشيب و ينكمش و يعجز و يبتسم ابتسامة مرة.

إنها كما كانت و كما ستكون تتأرجح بين قمة المرارة و قمة النشوة،ترقب بحسرة أمنية صغيرة بلهاء مضحكة تطير كبالون فى الهواء ثم تنفجر مع أول لطمة بسن مسمار صدئ فى حائط قديم،أو منشر حديدى مزدحم بثياب قليلة الذوق،أو نبتة صبار فى شرفة عجوز،أو دبوس فى يد مؤذية ساخرة.تقنع،تخضع،تأخذ محلها من الإعراب،الذى هو أقل مما تريد لكنه أكثر قليلاً مما تخاف أن تكونه.

الآن،تفزع،تستعيد نفس الشعور।كأن عضلة قلبها الميتة المتشنجة تبدى بعض علامات الحياة।كأنها لم تفقد مرارة و نشوة الطفلة فى حادثة أليمة حطمت طفولة فؤادها।تعود تمد يدها،تعود يدها تزاح عن المقبض إما برفق أو بتحدى أو بسخرية أو بحكمة،لا تصدق انها ترغب فى نفس الشئ مرة أخرى مع شخص آخر،تعود تتأرجح بين القمتين،بين القطبين،فقط ليعلو صوتاً سمجاً يقاطع خواطرها:الكرسى ده بتاعى لو سمحتى.

تعود تتخلى عن مقعد السيارة الأمامى لصاحب النصيب،وتجلس فى المقعد الخلفى المريح الذى تكرهه،الذى صنعوه للغرباء و الأطفال، تتخلى عن أكثر الأماكن حميمية و لطفاً على وجه الأرض،وتترك الكرسى القدامانى الحبيب لأمها،أو لصديق حبيبها المفضل،أو لحبيبة حبيبها،أو لأخاها الأكبر،أو لوالدة صديقتها،أو لأى شخص يمرق فى حياتها فيحتل هذا المكان عامداً أو غير.

نعم، مازالت طفلة بائسة بلهاء تعشق كرسى السيارة الأمامى،وتحب طى الأسفلت تحت قدميها الصغيرتين،وتحب الأربعين سنتيمتراً الفاصلة المليئة بأنفاس الجالس خلف عجلة السيارة،الذى يبتسم لها بجانب فمه لأنه لا يستطيع رفع عينه عن الطريق الموحش جداً بدونه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق