الجمعة، 29 مارس 2013

دليلك لصنع مريض الفصام


. أنا أكبر و أصغر فى عينك حسب المزاج. إذا كان مزاجك يستدعى ان أصغر فتسحقيننى كى أعود جنيناً فى رحمك. و إذا كان مزاجك يستدعى ان أكبر فتعلقين كل طرف من أطرافى فى سرج خيل كى يشدوننى فأكبر.
لم تتركى لى ثمة فرجة اراك منها : دائماً تعزليننى عنك بسبب المزاج.تُقسين قلبى تجاهك و تتهميننى بالقسوة. تحبسيننى و تتهمينى بالكسل. تمنعيننى و تتهميننى بالجبن.تمنحيننى املاً زائفاً كأنها لعبة لطفلة ثم تأخذين الأمل اذا نما فوق اسوارك.
تهدديننى بفكرة موتك ولا تذهبين لطبيب واحد.تفعمين قلبه بالنقمة نحوى ثم تغسلين يدك من دمى. يسدد لى نظرة كراهية بلا سبب فاعرف انك السبب.تُقدمين تضحيات ثم تعايريننى .تحبيننى ثم تكرهيننى. تحتضنيننى ثم تدفعيننى بعيداً.
تفعلين كل هذا بلا وعى. بلا قصد. بالمزاج.
وانا بين مزاجك و مزاجك اتهشم.اتهتك. اموت.

الخميس، 28 مارس 2013

غلطة صغيرة


ارجوك لا تسفهنى. فقط كن حازماً ، احمنى من نفسى ، ولكن لا تكن قاسياً.
ولا تقل ابداً ان الحب غلطة. لم أحبك بالخطأ ولا أندم على أى شئ.
اشعر بقوة اننى وحدى فى كُل هذا . وانا لا اريد عونك فى شئ ، ولا اريدك ان تنتشلنى ، ولا اريدك ان تشعر بأى شفقة تجاهى فهذا يُشعرنى بإستياء لا يُقاس.
لا أندم على شئ واحد. ولا على سخافات القهوجى علينا حتى . لقد قلت يوماً اننى بالغت فى تسفيه نفسى حتى اننى اذا رأيت شيئاً يستحق سفهت نفسى وعجزت عن تمييزه عن التوافه.
انت وانا لم نكن خطأ فى حياتى.ربما فى حياتك انت. ولكن فى حياتى انا ؟
لا.



الفصول الأربعة للحمى


1- الحمى
ارتجف! تؤلمنى كل عظامى و مفاصلى. احرك ذراعى الايسر بصعوبة و الايمن بصعوبة اكبر. غير واعية بالكامل ، اهذى بافكار غير مفهومة و مضحكة، التف بالبطانية ، ادفن وجهى المشتعل و عيناى المتورمتان فى الوسادة الباردة التى سرعان ما تكتسب حرارتى. لا استطيع حتى النهوض لأشرب ولا لأن ادخل الحمام.لا اريد سوى ان اترك و شأنى فى الظلام بلا اصوات ولا اضواء.
2-القيامة
جرعة مرتفعة من الدواء اخذتها فى لحظة يأس اثناء الحُمى.اتحرر.اتحرر. يخرج جسدى من شرنقته المؤلمة. تنخفض حرارتى بالتدريج كأن جسدى يداعبه النسيم فيبرده.اتحدث بحرية دون سعال ولا الام حنجرة.انهض من الفراش اخيراً و اتجول. اشعر ان العاصفة مرت و ان الاسوأ عبر.انا بخير الآن .اكل و امزح و اعود للفراش بمزاجى.
3-التوجس
لا اعرف متى بدأ هذا لكننى شعرت ببعض الالم فى عينى. مددت يدى لأشرب فمزق الالم مفصل كتفى: الماً غامضاً.وضعت كفى على خدى فوجدت نوعاً من الدفء المتصاعد.مفعول السحر انتهى ولابد ان تهرب سندريلا. الالم يعود بالتدريج كما رحل بالتدريج.ارهاق و اختلال فى توازنى. انزل تحت البطانية و اقاوم الشعور بارتفاع الضغط داخل عينى.
4-الهزيمة
انا مازلت سقيمة.سوف تتكرر نوبات الحمى و الهذيان و الالم. انا غير مستعدة لهذا بعد ان قبلت بحقيقة اننى بخير.
انا لا اعرف ما هذا الذى بى ، لكنه يسحقنى.



الاثنين، 18 فبراير 2013

الوداع la despedida


قل لى كم من الوقت بقى لنا ؟
و متى تنتهى الدقائق المُحددة للسعادة
 قبل ان تزورنا ذكرى قبيحة تنسف لحظة الصفاء
قل لى متى يأتى الموت كيلا نضطر للانصياع للمنبهات
و الانصياع للمواعيد و جداول المحاضرات
و الانصياع لكل خط يتركه الزمن تحت عيوننا ،تجعيدة.
قل لى من أيضاً يأخذه الاسبوع القادم؟ فدائماً الاسبوع القادم يختطف احداً.
قل لى متى يأتى الموت كيلا نعيش لأسبوع قادم.





الأربعاء، 13 فبراير 2013

روبابيكيا


عاد الاستاذ المحترم حاملاً البنى آدم بتاعه و وضعه على منضدة امامى.
-ماله يا فندم.
-باظ.
خبطت البنى آدم خبطتين فى المنضدة فتأوه بشدة  و فرد ذراعيه على المنضدة ولم يعد للعمل بكفاءة لشدة الغرابة ، ان تلك الحركة تصلح مع الريموت دائماً.
اقترحت على الاستاذ المحترم:
-تاخد واحد تانى حضرتك ؟
**
خرج الاستاذ المحترم حاملاً البنى آدم الجديد بتاعه  وعلى وجهه ابتسامة مفعمة بالأمل فى البنى آدم الجديد بتاعه، و فى كم التطبيقات المتاحة.
لن تكون هناك مشاكل.الكتالوج يشرح كل شئ.
**
وضعت على باب المحل لافتة تُشير الى امكانية استبدال البنى آدمين . مُربحة بشدة.
**
كنت على وشك وضع البنى آدم القديم الذى هجره الاستاذ المحترم فى علبته لاعادته كمرتجع،حتى رأيت ما كتبه على الحائط بالدماء:
"أيها الداعرون جميعاً.. وأنا أولكم"
**
فى منزله تأمل الاستاذ المحترم اخر اثار البنى آدم القديم : الرسالة الاخيرة التى سبقت ذلك العُطب:
"ليس من الضرورى ان يكون الفيتيش قميص نوم . على الاقل مُحبى قمصان النوم يعرفون انفسهم جيداً و يدركون ابعاد قميص النوم ولا يتذاكون ولا يتسامون
. انت لا تختلف عنهم.
كلها دعارة.كلها.وانا لم اعد احتمل يا ولاد الوسخة"
**





السبت، 9 فبراير 2013

موسم التكفير و الهجرة


أنا لست على ما يرام ، و بداخلى صراعات لن تنتهى الا بفصم تلك القنوات الوريدية التى تهدر دمى.
قريباً سوف تواتينى الشجاعة على نسف كل شئ و البدء من جديد او ربما "عدم" البدء. الـ(عدم) هو الأصل وهو المصير . و لقد اخطأت إذ أجلت معاركى جميعاً الى اللحظة المناسبة : انتهى بى الأمر الى اما ظالمة جداً او مظلومة جداً : لابد ان يحدث شئ خطأ بشدة كى أعيش و أستمر، ولابد لى ان ابتلع جميع احاسيس السلبية لأننى لست من الخبال ان اختلق زلزالاً من لا شئ ، حتى الطبيعة لها أسبابها فى الكوارث . و ليس من الطبيعى ان يستيقظ شخص ما ممسكاً بعصا بيسبول محطماً كل شئ الا اذا كان قد شاهده من قبل و اغضبه بشدة ، كما ان لديه فرصة فى حياة اخرى جديدة غداً. الا اذا كان قد سئم تظاهر الناس انهم يحبونه او لا يحبونه  و سئم الهستيريا و الابتسامات المُرغمة ، و سئم المحاولات الصفيقة لمنحه دورالأبله فى مسرحية بلهاء و تغطية جميع تلك الاشياء بالشيكولاتة و الخراء و وضعها فى الثلاجة كى تتجمد ثم تقديمها فى طبق مترع بمياه المرحاض ثم ابتزازك بشكل ما.. او ابتزهم انا بشكل ما .
لقد انطلقت القذيفة و يمكننى العد العكسى حتى تنفجر.
مشهد معبر من فيلم الف مبروك يلخص كل شئ 


الجمعة، 1 فبراير 2013

قداس ضحايا أوشفيتز


قضيت اسبوعاً أشاهد وثائقى (أبوكاليبس) عن الحرب العالمية الثانية و أصابتنى حمى تلك الحقبة فمضيت أبحث أكثر عن وثائقيات أخرى ذات صلة ، شاهدت جميع اجزاء السلسلة و أشياء أخرى. جذبتنى الحقائق التكتيكية و العسكرية ولكن اشد ما جذبنى هو الجانب الانسانى للحرب و كم التوحش من جميع الاطراف حتى الحلفاء . تناقشت مع اخى حول شارل ديجول و كيف ان البطل الشعبى المعروف فى فرنسا قد يكون سفاحاً فى اى مستعمرة فرنسية . ادخلتنى فى معضلة فلسفية حول الحرب و جدوى ان يقتل انساناً اخر لأى سبب.شاهدت قصف لندن كما شاهدت قصف برلين كما شاهدت هيروشيما. شاهدت هتلر كما شاهدت ستالين . كلهم نفس الشخص.نفس الخلقة و و الخُلُق.نفس السفاح و نفس الحيوان المُفترس.
و عرفت ، انه من الجبروت النادر ، ان تنكر حقيقة المحرقة و غرف الغاز و القتل الجماعى لليهود ، كما انه من الجبروت النادر ان تعترف باسرائيل و الحقوق التاريخية لليهود فى فلسطين.عرفت انه من الصعب ان تأخذ موقفاً عادلاً بين حجرى الرحى  و ان تقف على مسافة متساوية من جميع صور الظلم البشرى . اتذكر ان الاستاذ  احمد خالد توفيق سخر من قصة ان الغاز (زيكلون -ب) لم يُستخدم قط فى أوشفيتز، على عكس ما يذكره التاريخ ، و كنت اتمنى ان يقدم مصادره عوضاً عن الاتهامات ، وأن يستخدم ضميره قليلاً ليعرف ان الأمر كان سيئاً بغاز أو بدونه ، و ألا يعتقد بأى شكل ان تعاطفه مع الاسرى معدومين الحيلة سوف يجعله يتعاطف بالتبعية مع اسرائيل، وان حدث فهى مشكلته وحده.
هذه موسيقا عن عذاب معتقلى اوشفتز و بخاصة الغجر ، لأوركسترامن جميع انحاء اوروبا يقودها ريكاردو ساهيتى الذى شرفت بمعرفته لتوى .قداس ضحايا اوشفيتز الذى استوحيت بدايتها من صراخ الغجر فى المُعتقلات.

الاثنين، 7 يناير 2013

من اجل استمناء عاطفى افضل.


كل يوم أنتظر كقطة طيبة غبية عشائى المكون من شتات أعصابى المشوية حتى الإحتراق .
لابد ان اتبع حمية ما رفقاً بمعدتى الحساسة و أعصابى ايضاً.
كما انها صعبة المضغ .

السبت، 5 يناير 2013

عنصرية مضادة خارجة عن إرادتى.



إنهم ليسوا أغبياء.
الرجالة غلابة والله. المشكلة انهم لا يعرفون كنايات سوي كنايات اللغة التي اخترعوها،ولا يعرفون اسقاطات سوي التي يمارسونها،ولا يرون ما خلف الصور الا اللوحات التي رسموها .انهم اسري فكرة ساذجة هي ان وعيهم هو بالضرورة ناموس الكون و علي اساسه يترجمون ما سبق ان دونوه.
 انهم عباقرة فى الرياضيات  و الفيزياء و الفلسفة و جميع العلوم التى ابتدعوها بفضل الحظ الحسن الذى جعل اجسادهم اكثر تأقلماً مع ظروف الطبيعة و بالتالى كانوا اكثر فضولاً و تمكناً منها. 
اما على المستوى الانسانى : ما هو ما يعرفونه ؟ هو ما تظهره احداهن.ما هى شخصياتهم ؟ اى شئ عكسهن. اى شئ يميز عنهن. على عكسنا تماماً ، نحن ليست لدينا مشكلة ابداً فى ان نتشبه ببنيتهم و افكارهم الاكثر اندماجاً بالطبيعة مع الاحتفاظ بذواتنا، ولا نبدو شاذات او حمقاوات كما يزعمون ، و لن نكون مثليات جنسياً بالضرورة، هم يزعمون ذلك بسبب الغيرة ، فنحن نزاحمهم بكفاءة فى المجال الذى احتكروه قروناً بقوة الجسد وحدها.
اغبياء؟ ليسوا اغبياء على الاطلاق. ولكن المشكلة فى انهم لا يخوضون شيئاً كما ينبغى . ان رؤيتهم لنا اما ما نصدر لهم  دون اى تعديل او محاولة لفهم ما وراءها، او اقحام ما يريدون ان يرونه فينا عنوة، او مزيج من هذا و ذاك. و لهذا وُجد الـ(فيتيش) ، ووجدت الاحذية ذات الكعوب المرتفعة ، و وجدت مساحيق التجميل.ولكن لا احد يخوض الى النهاية سوى انثى. ولا احد يعرف بحق سوى انثى.  ولا احد يحب بحق سوى انثى. وعيهم اسيرنا غالباً و اوتوماتيكياً، اما  نحن فنصبح اسرى وعيهم عندما نصاب بالغباء و العجز و الخوف من الاذى البدنى فقط، و نتبادل دور السجين و السجان ، و لكننا نلعب اللعبة بشكل اكثر تعقيداً ، و نحن نفهم بعضنا البعض و نفهمهم ، اما هم فلا يفهمون انفسهم حتى ، و يعتقدون اننا مخبولات لأجل حساسيتنا او نعانى اضطراباً هرمونياً شهرياً.
  ثقة فذة بالنفس و هيمنة فارغة بلا موهبة سوى قوة الجسد و قرون من الارهاب رسبت خوفاً فى وعينا قارب على الانتهاء: أى بؤس هذا ؟ و ماذا يحدث لكم عندما نتوقف عن الخوف..و عندما نكتشف اننا اكثر جدارة بأن نغرم ببعضنا و اكثر بصيرة بما فى داخل بعضنا ؟ محظوظون ، ان الطبيعة تحميكم لأجل استمرار النوع البشرى، فتميل غريزتنا و وعينا نحوكم. ربما نحن حمقاوات ايضاً ، و فاقدات بعض  البصيرة لأننا مازلنا نندفع خلف ميولنا الغريزية رغم كل شئ.
ان ما يدفع النساء نحو المثلية هو الرغبة فى الكمال و التكافؤ.و ما يدفع النساء نحو الرجال الله اعلم ما هو ، ربما حُب تعذيب الذات و الشعور الدائم بالوحشة . ربما تلك اللحظة النادرة جداً التى يمارس فيها الرجل سمة انثوية هى الاحساس بالآخرين و الحنان ، وقتها يكتمل جماله و يصبح جديراً بتحمل تلك المشقة.
اللعنة على الطبيعة  التى تجعلنا نغضب و ننقم عليها بهذا الشكل : انها تصل الى توازنها على حساب راحتنا النفسية و توقف صراعاتها الكبرى باختلاق صراعات صغرى بين الاجناس كى تحافظ على نفسها.

**
ملحوظة صغيرة.
كاتبة السطور ليست ضحية صدمة عاطفية ولا مثلية الجنس و بكامل قواها العقلية ، و فى سنتها الأخيرة من كلية الطب.

الاثنين، 24 ديسمبر 2012

فإنها حين تُمطر، تفعل بلا استئذان.


منتصف ديسمبر 2012
عندما يكتئب نبى البهججة فان شيئاً ليس على ما يرام : ربما يُفسر هذا السحب و المطر و الزعابيب التى اجتاحت المدينة . امطرت على رأسيهما و هما يرتكبان خطيئة الصرمحة ، فاختبئا فى ممر يمسحان نظاراتهما بعد ان اعمتهما القطرات : اللعنة على قُصر النظر. تناوله نظارتها لأنها لا تملك صبراً لمسحها فيقبل ذلك ببساطة .
انه فى الواقع يعاملها برفق منذ بداية اليوم : منذ اعترافها بسر شخصى الذى جعلها ترتجف برداً و رعباً بلا سبب  و تخبط اقلامها الملونة على منضدة المقهى ، كانت هشة جداً و كان يعرف بهشاشتها، و كان ما فعله هو ان انتزع الاقلام من يدها و انساب صوته المُطمئن بشكل غريب: اهدى ! مفيش حاجة .
خرجا من الممر الى الشارع الرحب يدوران بلا هدف فى وسط البلد الجميل.
قُالت فى عصبية : الصوفية شئ راقى و ماله. لكنها ارقى درجات الوهم . 
قال: مُنذ رأيت اتفاق على اتعاب رقصة مولوية و قد اصبح هذا فناً فقط بالنسبة الى.
قالت: ولكنها مازالت وهماً. تقلد ما تسمعه (ساخرة) : لقد رأيته..لقد احسست به.. لقد لمسته (تأتيها خواطر مضحكة عن الرنين المُريب الشبق للكلمات و تربط ذلك بالاتجاه الشبقى الذى سمعت عنه للبعض المتصوفة-بالفعل ان تلك الرومانسية المفرطة  و الاتحاد بكينونة الاله تثير اعصابها)
قال مبتسماً محاولاً قمع سخريته: لأنك قابلت مُدعين فقط.
قالت: رُبما.و لكنك بالتأكيد لا تصدق.
قال: لا اصدق الميتافيزيقا بالتأكيد و لكن،غاندى مثلاً ، كان رجلاً متصوفاً بالفعل. و غير مُدع.
لم تقُل شيئاً: لقد كان طرحاً جديداً و زاوية جديدة لم ترها-كعادة نبى البهججة يغمرها بعبقريته كما يغمرها بلطفه التلقائى و ابتساماته.
بالفعل : ان صديقها نبى البهججة قد اضاف بهجة لا تقاس الى حياتها رغم اكتئابه الحالى ، و حتى ان كان بحثه عن حياة جديدة بالكامل هو السبب فى تلك الصداقة : فليكن . ربما تموت غداً فلن تجد وقتاً لتلوم نفسها على اضاعة وقت فى تحليل مُسببات البهجة التى دخلت حياتها.

*****
بداية ديسمبر 2012
فى مقعد بجوار السائق : و بعدما فسد مزاجها عندما فشلت فى الوقوف امام الكاميرا للمرة المليون فى مناسبة مبهجة كما هو مُفترض : امطرت. 
سقطت القطرات على الزجاج فاغلق الجميع النوافذ. اصدقاء فى سيارة دافئة تخرج من جوف المدينة الى الكورنيش و من الحارة البعيدة عن البحر الى الحارة الاقرب له.
تتسرب البهجة مع كل زفير حار يملأ المكان دفئاً على دفئه : نحتاج وقتاً ، و حلوى ، و قهوة. يا للخسارة .
يقود صديقها الذى يتسرب جماله الداخلى عبر شقوق وجهه ذو التعبير اللامبالى  و مزاحه الخشن و قيادته المتهورة التى  يمتنع عنها تلك المرة بالذات من اجلها . يضغط على ازرار كاسيت السيارة فتنبعث اصوات مرنمين مسيحيين شديدة الاملال بنغمة واحدة فتقول له فى تعب ساخر : غير ابوس ايدك.
يخرج صوت مغنى بأغنية راى غريبة بها مقطع ساحر لكنه مضحك ، سحر الاغنية يغمر السيارة بالنشوة و الضحكات، تتنفس بعمق خلف حزام الأمان و تشعر برغبة فى البقاء الى الأبد.البحر يستقبل قطرات المطر التى خرجت من رحمه و عادت اليه ، الطريق زلق لامع ، غير مُزدحم. الموسيقا المنبعثة من الراديو و قطرات المطر و السيارة.
تنزل منتزعة نفسها بصعوبة من هذه الحميمية : تستكمل طريقها مشياً فى الظلام الذى بدأ يحل ، و جاكت المطر الأحمر الزلق يغلفها. و صوت "جون ماير" و جيتاره الالكترونى يثيران فيها كل انواع الوحشة اللذيذة.
*****
منتصف نوفمبر 2012
الشتاء يليق بالقديسة الفاسقة: فهى تبدو كلعبة دافئة كثيرة الفراء شديدة الجمال ، تبتسم فيضئ وجهها الحلو و تلمع اسنانها من بين شفتيها المكتنزتين الجميلتين، تعبس فتزم ذات الشفتين و تخفى خديها فى وشاحها الصوفى.الشتاء يليق بها ،و بكنزاتها الصوفية ، ووشاحها الاحمر و معطفها الرمادى.
هما تحت الشتاء دائماً: يوماً تمطر على رأسيهما فتجريان كالحمقى ضاحكتان، تُزيد الشتوية فى عُنفها فتختبئان تحت (تندة) ثم تعودان للبيت حيث تتناولان غداء يعدانه سوياً، او فى مُظاهرة طلابية حاشدة ضد العسكر، او فى منزل القديسة الخالى البوهيمى بشكل مُضحك حيث تذوق الذ قهوة و تلتهم بشهية كل شئ تخبزه هى، فالعجين يحبها على ما يبدو و ينصاع لأصابعها و يبدل مذاقه على مزاجها.
دائماً كانت حيث يوجد الشتاء .وذلك اليوم بالذات كان ثقيلاً من بدايته : كانتا تنتظران نتيجة العام المُنصرم و مزاجهما شديد السوء. تلك السنة الدراسية الغير آدمية كانت كفيلة بان صنعت جُباً بينهما يقتلها ظنها انه غير قابل للإصلاح . جالستان على اريكة تنتظران اى شئ ، استمعتا لبعض الموسيقا. ثم فقرة ليسرى فودة . ثم خبر وفاة مُزعج جعل من الضرورى ان تذهبان للعزاء. 
ان تلك الاشياء تحدُث دون تفكير : لقد اجلست نفسها على حجر صديقتها و اراحت رأسها وسط شعرها الكثيف الناعم. توصلت فى لحظتها الى نظرية عبقرية : سقوط الحواجز الفيزيائية يُقرب البشر عاطفياً بما لا يقاس. استرخت، غمرها شعور ان كل شئ سوف يكون على ما يرام.شعرت حنيناً يغمر صديقتها فلم تتكلم. انتظرتا طويلاً، همهمتا بان كلاهما تتوقع ان ترسب-غير مازحة . من يعرف تلك الجامعة، و ذلك النظام التعليمى المتوحش ، و هؤلاء الاساتذة الساديون يعرف جيداً انهما لم تكونا تمزحان على الاطلاق.
و عندما حدث  و وجدت كلاهما انهما عبرتا بسلام : كانت لحظة انتصار مشترك و شهادة على ميلاد شئ ما . لقد ابتهجت بالحضن الحنون اكثر من النتيجة : و كأنها تقول : لقد نجحت !! ثم تكمل داخل رأسها : فى استعادتها ولو للحظات .
تظاهرات عنيفة عند القصر الجمهورى بالقاهرة: و الغد-الجمعة- من المتوقع ان يكون مأساوياً.تشرب قهوة ساخنة بسرعة قبل الرحيل ،ثم بعد ذلك يصدمها الماء الذى يغمر الطرقات و توتر غريب فى الشارع  و بعض السحن المريبة تتناثر ، و بعضهم يحمل اسلحة بيضاء.اضطربت، عادت خطوتين الى الوراء متوترة، فقط لتجدها تخرج من الشارع مرتدية احد كنزاتها اللطيفة ، تتنهد فى اطمئنان غمرها رغم وحدتهما: انها هنا. فقط.
*****
منتصف نوفمبر 2012
قالت له : لقد كنت اعتقد فى طفولتى ان هذا هو الله من خلف السحاب. ابتسم قائلاً: مازلت اعتقد ذات الشئ.
تأملت الشمس القابعة وسط السحاب و البهاء يطل من بين فتحات السحب. نظرت إليه ملياً و تذكرت، كما تتذكر دائماً كلماته عن الحب الذى يستشعره الآن.
لقد كانت شاردة حتى اشار الى الله القابع خلف السحب ، الى قلب الحقيقة، حيث يكون الحب الذى بلا ثمن. لقد فقدت ايمانها بالله ، لكنها اذا آمنت به فسوف تؤمن خلال محبة بلا ثمن كالتى تشعر بها.فإن محبته كانت منقذاً و معيناً و مخلصاً. كم هى جميلة الطيور فى قلب السماء ! اى محبة لعينة تلك التى تجعل الانسان طاغية ؟ واى دعارة تلك فى انتظار مقابل ما من المحبة ؟
لا تعرف , لقد كانت تحبه يوماً ما و تريد ان تجعله نسراً مستأنساً , الآن تريده نسراً حراً، ان يحطم كل القيود، و من الغريب ان يكون هذا مقترناً بإنها تحبه أكثر بمراحل و بصورة اكثر زهداً: لا تريد شيئاً منه.
*****
نهاية أكتوبر 2012
باغتتها الفكرة الغاضبة :ما الذى تحاول أن تفعله ؟ تميتنى كى تحيا ؟ لكم أخبرونى عن إماتتك للنفس كى تحتلها ،تفريغك للشخص و إمتصاصك الحياة و التمرد منه ثم إحلال ذاتك فيه !

تقول : انى راحلة.ان كنت هناك فابحث عنى.وان لم تكن فدعنى و شأنى فأننى قد سئمت الوهم و اجترعته حتى امرضنى.
و من يومها لم تعد، ولم يواتيها ذات الغضب: لقد اصبحت اكثر استقراراً و اتساقاً مع كل شئ.اما وقتها ، فقد سقطت قطرة ماء على خدها فجأة ، رفعت عينيها الى السماء لتجد ان الامطار الأولى للشتاء تنهمر على استحياء. شخص اخر كان سيعتقد انها دموع السماء التى تودعه، اما هى فتعرف انها فى هذا الكون الفسيح اقل من ان يتبدل حال الغلاف الجوى من اجلها.
تباً للعلم. انه حقيقى بشكل مرير.

السبت، 15 ديسمبر 2012

استطراد ذاتى-تانى!


جزء اخر من الكتابة الذاتية: على من لا يحب  الذاتية الا يمضى قدماً فى القراءة، استطراد لما سبق ان نشرته: "خدر".
*****
بعدما قررت  ان تنهض من الفراش و تنثر الأوراق و الكتب و الأقلام التى تنام فوقها-عادة- وتتأمل فى المرآة وجهها الذى استيقظ لتوه و خصلة من شعرها الذى بعثرته المخدة تسقط على جبينها فترفعها كي تغسل وجهها.
مازال هناك وقت لكنها لن تتحرك من مكانها: ليس اليوم.
هناك جميع الاغراءات السماوية و الاشياء المحلقة فى انعكاس عينيه،  كى تحركها من مكانها، لكنها مرت بذلك الطور المستفز المبتذل ألف مرة حتى أصبحت تكرهه:و أصبحت تعد له العدة كأى شئ كريه متكرر ، كالعادة الشهرية ، كالاختبارات الدورية السخيفة،كالكلمات الوقحة التى تقال ولابد ان تقال حين تمر امام اى ذكر،ليس لفتنتها بالطبع، بل لأنها انثى-فقط.
انها فى الواقع تحب تلك الحقبة من اى رجل لأنها ملهبة للخيال و المشاعر،و الفيلم ينتهى عندها بعد قبلة البطلين- وهو ما علمته السينما لها بجدارة، و من الواضح ان الطفلة التى قضت حياتها بلا صداقة واحدة فى الطفولة لم تجد مجتمعاً بشرياً حولها سوى الأفلام ، فقد سقطت فى هوس السينما و سيطر التفكير السينمائى على تفكيرها مثل "توتو" الصغير فى فيلم "سينما باراديسو الجديدة"، الموسيقا التى تستمع اليها لابد وان تكون خلفية لمشهد فى دماغها ، من ماضيها او حاضرها او مستقبلها الافتراضى، مصورة بكاميرات عالية الجودة، مقترنة بسلسلة من الجمل العميقة التى لا تبدو بهذا العمق عندما تُقال، كذا حماقات العقل الباطن و نظرته العلوية لنفسه: تتحطم على حائط الواقع.
هناك بلايين الأسباب كى ترتدى ثيابها و تنزل ، لكنها تعد قهوة سوداء رديئة و  تشربها كلها دون طعام فتتصاعد آلام معدتها الحساسة.تجلس فى فراش والديها تشاهد التليفزيون و باب الغرفة مغلق.و مقبض الباب يبدو قريباً جداً و سهلاً جداً: لماذا لا تجذب المقبض؟ يأتيها النداء الناعم نعومة البطانية التى تدثرها فتأبى.
انحطاط: كذا تقول لنفسها. انحطاط فكرى و اخلاقى و سوقية و مراهقة متأخرة-بالفعل، فلا تتذكر لنفسها مراهقة، ولا طفولة ، انها تشعر انها سُرقت بشكل ما ، و الأدهى ان التنميط المُعتاد لسرقة الطفولة- بحوادث مفزعة او مسئوليات مبكرة- يجعلها تخجل دائماً من مواجهة نفسها بتلك الحقيقة، لقد سُرقت طفولتها و مراهقتها ببطء و نزفتها خلال قناة وريدية محكمة،انها تتذكر انها لم تقل" لا" ابداً فى طفولتها: ولا مرة مدفوعة بخوف رهيب،ولم تحب اى شخص و عندما كان يحدث كانت تُسقط مشاعرها جميعها على صديقة لها و تتمنى ان يحبها الفتى وان لم يحدث تموت كمداً ! اى شئ تنتظر من نفسها بهذا الماضى الماسخ المُجرد؟ لقد اصبحت تضيف نكهات عنيفة على كيانها الماسخ المُجرد وليد ذلك الماضى ، كى تشعر انها مثل بقية البشر.
فى الواقع ان هناك غرفة بيضاء باردة كبيرة فى عمقها تعيش فيها طفلة لا تكترث و تشاهد افلاماً و تأكل الكثير من السكريات و تضع سماعات و ترقص كما يحلو لها فى الغرفة المحكمة التى بلا ابواب ولا نوافذ حتى تستنفذ كل شئ و تنام.هى تفعل ذلك بالفعل عندما تخلو الى نفسها: تغلق جميع النوافذ بلا استثناء، تحل خصلات شعرها و تجرب فستاناً من فساتينها دون احتياطات الانثى الشرقية من ثياب لصيقة سخيفة تكبل الفستان و تخفى فتنته: تبتسم فى وجل لانوثتها التى تطل من فتحات الفساتين .  تطهو بعناية طبقاً مميزاً لها وحدها، لابد ان يكون ساخناً  جميل الشكل زاهياً لذيذاً مليئاً بالنكهات العميقة الممتزجة : كمزاجها الجنسى الجشع. تأكله عن اخره ثم تغسل الطبق و آنية الطهى بسرعة قلقة مُذنبة كأنها ارتكبت جريمة ،و تُعيد كل شئ الى مكانه.
مثل كاسانوفا غاية الحياة عندها ان تموت عشقاً حتى ينتهى اللهب -و اللعب- فترحل، غاية الحياة ان تموت لذة وعندما تشبع تشمئز، انها تأكل بشهية لكنها حين تشبع تقرف من رائحة الطعام و منظره مهما كانت تحبه،وانها تحب الرجال بحرارة ساحقة لكنها حين تشبع حباً تفر ،و حين تنطفئ جذوة الشوق و الغيرة القاتلة- و بخاصة الغيرة !! توابل اللعبة  الحريفة التى ان لم تجدها "اوجدتها"- و الخيالات الغامضة يضاء النور و تظهر التترات و تجمع حاجياتها و تخرج الى الليل البارد- الى مرآب سينما "أمير" السكندرية الذى كانت تحبه جداً فى طفولتها، تحبه لأنه السبب فى حب الفيلم من الأساس، لأن الفيلم ينتهى و هذا موطن جاذبيته و شجنه و الحنين الى دار العرض الدافئة الحميمية، هذا المرآب الكئيب الذى يطُل على المسرح الرومانى يدفعها لبكاء لذيذ و شوق حقيقى للفيلم القادم.اى نُضج و انسانية فى الاستسلام لتلك الطفولة ؟
 ولأنها تفكر كثيراً امام الشاشة فلا تتابع شيئاً، فهى لن تتحرك، لن تترك الفراش و لن تستسلم للهمس الشهوانى الناعم الذى يجذبها لرائحته و صوته و ابتسامته لأنها جميعاً ليست الا قطعاً من لعبة احجية عبثية فى يدها الطفلة،اذا انتهت الاحجية انتهى كل شئ.

الأحد، 5 أغسطس 2012

والآن لا أبصر

عدت لا أبصر النور.
لا أزعم ان وجودها كان النور،لكنه كان قدرتى على ابصاره.طفلة لم تحب أحداً و لم يكن لها صديقاً طيلة حياتها ولا اى شكل من المحبة يستمر اكثر من شهور. تجرب الاحساس لأول مرة.تبصر.هذا هو الأمر.تبصر.
عندما رحلت رحل الابصار و عدت لا ابصر.الرحيل الفجائى امر مبتذل،و الرحيل البطئ أمر مؤلم لكن طبيعة البشر ان يفضلوا الألم المديد على الموت بكرامة.و يفضلون الاحتفاظ بحاسة و ان كانت معطوبة الى ان تنتهى.
 تذكرت فى سخرية مرة و الم ضمير جميع من انتقدتهم لأجل بحثهم عن المحبة و الاهتمام فى غياب شخص يظن،انه بالأهمية،ان تتوقف عجلة الكون لأجله و ان يتوقف الناس عن بحثهم  عن شخص يفكر خارج نطاق ذاته و طموحه. الحقيقة انه لا اشرار ولا قديسون فى تلك الأرض.اننا بشر.ان محاولاتى المضحكة فى اضغام خيانة فى الأمر ما هى الا محاولة من شخص لا يعترف بقوانين الطبيعة.شخص جاهل متصلب.
ما ضير احتمال غيرة و وحدة و حرمان الى ان ينتهى الأمر .ما ضير ذلك.لقد قال علماء النفس ان الانسان يميل الى العودة الى الحالة الأولى الغامضة حيث كان عدماً.ما عيب العدم؟ لا عمل لى سوى الدوارن مع ذرات الكون.
ما ضير ان تكون قهوة واحدة،وكعكة واحدة،و كرسى واحد،ومصير واحد،وموت واحد.
أن أعود لا أبصر.ما ضير ذلك.

السبت، 28 أبريل 2012

إلى قنصلية الفردوس المحتلة


تمد يدها.

فى لحظة من اللاشعور،فى لهفة و أنانية العاشق اللاتينى المبالغ،تمد يدها.

من أجل لحظات شحيحة من النشوة المرة البعيدة،تقطعها لفحات من هواء،أو أصوات،أو أحاديث فرعية،لا تهتم.إنها تجتاز بوابة أكثر الأماكن حميمية على وجه الأرض و أن تثبت أقدامها و أن تلتقط أنفاسها و تبتسم.

تمد يدها كما كانت تمدها نحو الشمس فى طفولتها،تضفر خيوطها الذهبية و تعقصها.

لماذا،فى كل مرة،توجد تلك اليد التى تتملك الأمور بذلك الرفق السام القاتل.

لماذا تتحرك بكل تلك التلقائية المستفزة التى تعكس سيطرة.تعكس ثقة.تعكس شعوراً بإمتلاك الحق؟ ومن أين لليد الجرأة أن تتم عملها ببساطة ثم تجذب بقية الجسد؟

فى طفولتها كانت يد أنثوية بضة ذات أظافر معتنى بها تتولى الزمام.كانت خارج حدود هذا المكان تحبها كثيراً،أما فى داخله فهى لا تعرف سوى إنها تحترق بالغيرة.تموت.تقف اليد كأنها الملاك الحارس لجنة عدن بسيف من نار فلا تتمكن يدها الصغيرة المرتجفة من العبور من ثم تأخذ بقية جسدها إلى حيث تتمنى،إلا فى أقات استثنائية تكون فيها فوق السحاب.تطير و ترفص بقدميها الصغيرتين فى المساحة التى صممت للكبار،بينما الملك الوسيم يضعها على العرش الكبير المتسع الذى تغرق فيه و يأخذها ألى حديقة الحيوان،ويشترى لها دمية ملونة و شيكولاتة،وتكون أميرته بضع ساعات قبل أن تعود الأمور إلى ما كانت وسوف تظل عليه.

اما فى طفولة قلبها كانت تتأمل قبضته الدافئة المتملكة و ترقب،ترى من القادم.من سيجذب المقبض.من الذى سيمد يده فى امتلاك تلقائى لقطعتها من النعيم،من شخص آخر،هو إما متحد ساخر،أو منهك،أو يكبرها سناً أو مقاماً،أو حبيباً أكثر،أو قريباً أكثر. تسكن فى مكانها فى انتظار معجزة تمكنها.هذا فى أيام طفولة قلبها،قبل أن يشيب و ينكمش و يعجز و يبتسم ابتسامة مرة.

إنها كما كانت و كما ستكون تتأرجح بين قمة المرارة و قمة النشوة،ترقب بحسرة أمنية صغيرة بلهاء مضحكة تطير كبالون فى الهواء ثم تنفجر مع أول لطمة بسن مسمار صدئ فى حائط قديم،أو منشر حديدى مزدحم بثياب قليلة الذوق،أو نبتة صبار فى شرفة عجوز،أو دبوس فى يد مؤذية ساخرة.تقنع،تخضع،تأخذ محلها من الإعراب،الذى هو أقل مما تريد لكنه أكثر قليلاً مما تخاف أن تكونه.

الآن،تفزع،تستعيد نفس الشعور।كأن عضلة قلبها الميتة المتشنجة تبدى بعض علامات الحياة।كأنها لم تفقد مرارة و نشوة الطفلة فى حادثة أليمة حطمت طفولة فؤادها।تعود تمد يدها،تعود يدها تزاح عن المقبض إما برفق أو بتحدى أو بسخرية أو بحكمة،لا تصدق انها ترغب فى نفس الشئ مرة أخرى مع شخص آخر،تعود تتأرجح بين القمتين،بين القطبين،فقط ليعلو صوتاً سمجاً يقاطع خواطرها:الكرسى ده بتاعى لو سمحتى.

تعود تتخلى عن مقعد السيارة الأمامى لصاحب النصيب،وتجلس فى المقعد الخلفى المريح الذى تكرهه،الذى صنعوه للغرباء و الأطفال، تتخلى عن أكثر الأماكن حميمية و لطفاً على وجه الأرض،وتترك الكرسى القدامانى الحبيب لأمها،أو لصديق حبيبها المفضل،أو لحبيبة حبيبها،أو لأخاها الأكبر،أو لوالدة صديقتها،أو لأى شخص يمرق فى حياتها فيحتل هذا المكان عامداً أو غير.

نعم، مازالت طفلة بائسة بلهاء تعشق كرسى السيارة الأمامى،وتحب طى الأسفلت تحت قدميها الصغيرتين،وتحب الأربعين سنتيمتراً الفاصلة المليئة بأنفاس الجالس خلف عجلة السيارة،الذى يبتسم لها بجانب فمه لأنه لا يستطيع رفع عينه عن الطريق الموحش جداً بدونه.

السبت، 21 أبريل 2012

الرحايا


اسمع انينهن، يطحن فى رحى العائلة،
يعجن بماء العادات
 يصببن فى قوالب صلبة،
يدخلن فرن السنوات الملتهب بنيران قسوة التجربة و قسوة الجهل بالتجربة،
حتى يتصلبن،
يجففن،
 يخرجن من قوالبهن
،و الشفاه محفورة عليها ابتسامة جامدة كالدمية فيها الحياة و الموت،
 لا قلب لهن،
لا احلام،
لا افكار،
ولا ثورات،
فالقلوب و العقول احالتها الحرارة،حجارة صلبة غبية كالاصنام،
 و الاحشاء جمدت عن الشغف و شغفت بمنفعة الجسد.
دمى تأكل و تشرب،
 تتجمل و تتعلم من اجل لا شئ..
خاويات كالموتى،
و الخواء فى بلاد الرحايا..طهر.
اسمع انينهن فى ربيع العمر يقصين و يسحقن،و ارى الجدة فى ثيابها السود تفرغ الرحايا من ضحاياها لتعد قرباناً جديداً لفك الوحش الحجرى.
و يدور الحجر فى مداره الابدى.